Tuesday, December 7, 2010

خدعتنا طفولتنا



كانت لعبتنا المفضلة أنذاك مطاردة الأحلام الملونة الممزوجة بفقاعات الصابون ، التى لا نمل من النفخ فيها واللعب بها والجري ورائها
كنا أطفالاً نلهو ونلعب ولا نحمل للغد سوى أحلاما براقة لفرط ما نراها بعيدة لا ننتظرها تأتينا بل نسرع إليها بخطى من الأمل فى أنها ليست مستحيلة ، غير مدركين أن الغد قادم لا محالة محمل بمفاجأت قدرية تصنع حياتنا بعيدا عن تلك التى عشناها فى مخيلتنا
خدعتنا طفولتنا فخيلت لنا القادم بلون الزرع وبصفاء السماء وبصوت زقزقة العصافير ، كنا بحكم صغر السن لا نلقى بالا لهموم الكبار ولا نلمح فى أعينهم سوى فرحتهم بنا ولا نفهم صمتهم المبهم أمامنا ، فنحاول بتلقائية لفت إنتباهم إلينا ليشاركونا عالمنا الخالى من المنغصات الحقيقية ، فكان لا يعكر صفو أمزجتنا سوى سطو أحدهم على لعبة تخصنا أو فرض أمر لا نستسيغه فيعلو صراخنا و نستعين بدموعنا ... لأننا ندرك مع الوقت مدى تأثيرهم على من حولنا
وببراءة نتمنى أن نصبح فى طولهم وحجمهم نلجأ لارتداء ملابسهم وتقليدهم فى حركاتهم وأفعالهم وترديد أقوالهم فى محاولة منا لإستعجال هذا الغد الذي سنصبح فيه كبارا مثلهم ، حتى تلك الألعاب الطفولية التى تصنع معظم أوقاتنا نقضيها فى تقمص الأدوار التى نتمنى أن نكونها فى المستقبل
 وتمر الأيام ..... فنكف عن اللعب وعن تقمص الأدوار ...  فى محاولة منا للبحث عن دورنا الحقيقي
تُلقى على كاهلنا بعض المسئوليات الصغيرة التى نراها فى وقتها حمل  نهرب منه كلما سنحت لنا فرصة للتخلص منها .... وتنضج الاحلام قليلا لكنها تظل وردية
نصبح أكثر إدراكا لمشاعر الأخرين ، فنعي أن هناك صمت للحزن الذي بالطبع لن نفهم سببه حينها ، لكننا فقط نلاحظه و نتأثر به علنا نتسائل عنه فتأتي الإجابة إبتسامة وحضن دافئ وقبلة صادقة
ونصبح أكثر إستعجالا لمزيد من العمر ... وتمر أيام أخرى وتزيد السنوات سنوات   
إلى أن تصطدم الأحلام بالواقع وتشتبك الامنيات مع ما هو متاح و ممكن ، فتخلق حالة من التخبط النفسي والصراع مع المجمتع فنجد بيننا وبين الأخرين فجوة من العند والتمرد واللافهم ، فنصاب بخيبة أمل فى هذا المستقبل الذى عشنا سنوات العمر الأولى فى لهفة لإستقباله وقضينا أحلامنا فى الإستعداد والتخطيط له ، مما يدخلنا فى دائرة من الفوضى تتجاذب أرواحنا فيها عدة شخصيات بداخلنا نتقمص كل منها حينا و خلال هذا الوقت ندرك ونفهم ونعي حتى نفض هذا الإشتباك الناجم عن إصطدام الحلم بالواقع
ندرك أن طفولتنا خدعتنا وأن الواقع يغتال براءة الأمنيات الصادقة
نفهم أن بساتين الأحلام تتأثر بفصول العمر ..  وأن لكل حلم آوان تثمر وتزدهر فيه  .. وأن هناك أحلام تذبل لأننا لا نرويها .. وهناك أحلام اخرى لا أرض خصبة لها سوى خيالاتنا
تتضارب مشاعرنا ونقف على أرصفة طرقنا نراقب أحلامنا وهى تأتي وتذهب على عجل
إلى أن  ينير طريقنا ضوء أحمر يعطل سيرها لوقت  حتى نمر من بينها بهدوء
هذا الضوء الذي يختلف من شخص لآخر .. قد يظهر في موقف حاسم ، أو هدنة مع النفس ، أو قرار تأخر قليلا ، أو حتي بمساعدة آخرين ..  المهم أنه حين يظهر يتيح لنا فرصة لتنظيم الأحلام  ...   فنفسح براحا فى الروح  لتلك التى تشبهنا وتتناسب مع واقعنا  ، أما عن تلك التى لا مكان لها نسمح لها مع أول ضوء أخضر بالمرور خارج نطاق أعمارنا حتى لا تلتهم طاقتنا على الحلم والحياة
ووقتها ستتصالح كل الشخصيات التى بداخلنا ستتوحد وتتفق على أنه "لا إختلاف بينهم" ، وسيهدأ هذا الصراع القائم بيننا وبين المجمتع ، وستملأ الفجوة التي بيننا وبينهم بالسعي لتحقيق الامنيات المختارة
حينها أيضا سنعرف كل ما كان يجول بخاطر الكبار عندما كنا أطفال صغار  ،وسنفهم هذا الصمت المبهم لأننا عايشناه ، وسنلمح فى أعينهم ما غاب عنا لأننا سنراه فى مرأتنا
سنعلن مسؤليتنا التى كنا نغفل عنها حين حلمنا وتمنينا ، والتى حين بدأت تتشكل هربنا منها واختبأنا تحت المائدة أو وراء أحد الابواب أو الي النوم
تلك المسئولية حين ستتوافق مع أحلامنا المعلنة ستكون بمثابة إيمان يهون علينا منغصات الحياة ، نرتقي به على أحزاننا ونهزم به الصعاب التي يمكن تواجهنا